أزمة إيران تتعمق وفلسفة "Jin Jiyan Azadi" تبرز كخيار استراتيجي
في ظل تصاعد موجة الاحتجاجات التي تعصف بإيران منذ أحد عشر يوماً، وما رافقها من قمع وتوتر سياسي واجتماعي، تعود فلسفة "Jin, Jiyan, Azadi" إلى الواجهة بوصفها أحد أهم الأطر الفكرية التي شكلت قاعدةً لوحدة الشارع وإلهام الحراك الشعبي.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ تتواصل الاحتجاجات في إيران لتدخل يومها الحادي عشر، بعد أن انطلقت من بازار طهران لتنتشر سريعاً في مختلف المدن، ومع اتساع رقعتها، ارتفعت سقف مطالب المتظاهرين من القضايا المعيشية إلى الدعوة للحرية والمطالبة بإسقاط الحكم.
مع استمرار الاحتجاجات، اشتدت وتيرة القمع، خصوصاً بعد تهديدات علي خامنئي الموجهة إلى المتظاهرين، وقد دخلت السلطة القضائية والحرس الثوري عملياً في مواجهة مفتوحة مع المحتجين، وحتى الآن، سقط عشرات القتلى، فيما اعتُقل المئات.
وفي قراءتها للاحتجاجات الراهنة في إيران، أوضحت عالمة الاجتماع والناشطة النسوية سوسن رخش، أن الأوضاع المعيشية وصلت إلى مستوى بالغ السوء، وأن نحو 70% من الإيرانيين خسروا قدرتهم الشرائية بسبب الأزمة الاقتصادية.
وأشارت إلى أن ما يميز هذه الاحتجاجات هو انطلاقها من السوق نفسه، على غير المعتاد، لأن السوق يرتبط مباشرة بقوة شراء الناس؛ وحين تنهار هذه القدرة، يبدأ السوق أولاً في التعبير عن احتجاجه، لافتةً إلى أن السوق على الدوام في موقع متقارب مع النظام، ويتراجع فور حصوله على أي امتياز، مما يجعل الثقة به أمراً غير ممكن، وأن ما يصدر عنه اليوم ليس اعتراضاً على النظام بحد ذاته، بل احتجاجاً على سياساته الاقتصادية فحسب.
وعن تحول طبيعة الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة، أوضحت أن الشعارات باتت أكثر حدة، متجهةً نحو عبارات مثل "الموت للدكتاتور" و"الموت لخامنئي"، ما يعكس رغبة واضحة لدى الناس في تجاوز هذا النظام وهذه الأوضاع بشكل كامل، مشيرةً إلى أن النظام المعروف بقسوته الشديدة، ربما حاول الظهور بمظهر أكثر هدوءً في الأيام الأولى، لكنه سرعان ما كشف عن وجهه العنيف.
وأكدت على أن إيران، بعد أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 2019 والمجزرة التي ارتكبت بحق المتظاهرين، واجهت ضغوطاً دولية كبيرة، لافتةً إلى أن الجمهورية الإسلامية اليوم تفتقر إلى القوة الفعلية، وأن ما تبديه السلطة يقتصر على الداخل، في مواجهة المواطنين العزل.
وأضافت "جزءاً من المجتمع لا يزال خارج دائرة الاحتجاج، فهناك فئات مهمشة تعيش تحت الضغط لكنها لم تنزل إلى الشارع بعد، كما أنّ الحضور النسائي، بخلاف ما شهدته حركة "Jin, Jiyan, Azadi"، يكاد يكون غائباً هذه المرة، فيما يغلب على صفوف المتظاهرين الشباب من الرجال الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه".
وفي إشارتها إلى اختلاف المشهد بين المناطق، لفتت إلى أن مدن شرق كردستان تتعامل بحذر، وكذلك بلوشستان وخوزستان، بينما تبقى بؤرة الاحتجاجات الأساسية متركّزة في الوسط.
ديناميكيات الحركة المضادة
وفي سياق حديثها عن مفهوم الحركة المضادة في علم الاجتماع، أوضحت سوسن رخش أن ما يجري في إيران اليوم هو حركة احتجاجية حقيقية، غير أن السلطة تعمل على تفكيكها من الداخل عبر إثارة الانقسامات داخل صفوف المعارضة.
وترى أن النظام وجد في التيار الملكي الأداة الأنسب لتشكيل حركة مضادة، وقد نجح في توظيفه لهذا الغرض، مشيرةً إلى أن هذه الاستراتيجية بدأت منذ الحركة الخضراء، لكنها بلغت ذروتها بعد حركة "Jin Jiyan Azadi"، ففي لحظة كان فيها الحراك على درجة عالية من الوحدة، خرج شخص من داخل البلاد ليطرح فجأة مسألة تفويض السيد بهلوي، وهو ما اعتبرته أكبر ضربة وجهت للحركة.
ونوهت إلى أن سلوك أنصار الملكية خلال الفترة الماضية يؤكد أنهم تحولوا فعلياً إلى قوة مضادة للحركة، مؤكدةً قناعتها بأن اختراق النظام لهذا التيار هو ما دفعه إلى هذا الدور.
كما تشير إلى أن الطابع العنيف لبعض عناصر هذا التيار لم يبعد النساء فقط عن الساحة، بل دفع أيضاً عدداً من الرجال إلى التراجع، لافتةً إلى أن هؤلاء يتبنون خطاباً ذكورياً معادياً للنساء، وقد تلقى بعضهم تدريبات على يد الحرس الثوري، ويحملون نفس البنية الذكورية التي يعززها النظام.
وأكدت على أن السلطات الإيرانية اعتادت دائماً استخدام تهمة الارتباط بالأعداء الخارجيين ضد المحتجين، مضيفةً أنه من النادر أن يلقي خامنئي خطاباً من دون أن يكرر كلمة "العدو"، وأن هذا الخطاب يشكل اليوم ذريعة جاهزة للنظام.
وفي تعليقها على تهديد ترامب للجمهورية الإسلامية، ترى أن هذا التهديد قدم للنظام ذريعة مثالية، وفي الوقت نفسه أثار مخاوف كبيرة لدى الشعب وحتى داخل بعض أوساط المعارضة، إذ تظهر تجارب ليبيا وأفغانستان والعراق وسوريا أن التدخل الخارجي غالباً ما يزيد الأوضاع سوءاً، وأن إعلان بعض أنصار الملكية دعمهم لترامب ضاعف من حالة القلق داخل المجتمع.
وأشارت أيضاً إلى القمع العنيف الذي واجهته "Jin, Jiyan, Azadi"، وإلى موجة الإعدامات التي تلت الحرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، مؤكدةً أن النظام لم يعد يملك سوى خيار السلاح للبقاء، وأنه ينهار بمجرد أن يتخلى عنه، وأن السلطة استعانت بعناصر من السافاك لتدريب قواتها، وتستخدم كل الوسائل الممكنة للحفاظ على بقائها، فيما تدفع وحشيتها المعارضة إلى التراجع.
"لا يمكن أن يكون البديل إلا قوةٌ منسجمة ومتماسكة"
وترى سوسن رخش أنّ الوصول إلى حل يظل مستحيلاً ما لم تتشكل قوة منسجمة قادرة على طرح بديل واضح، فالمعارضة داخل البلاد، رغم وجودها الفعلي، تقبع بمعظمها في السجون وقد أصدرت بيانات، لكن قدرتها على إحياء الأمل مرهونة بتقديم برنامج استراتيجي متماسك يمكن للناس الوثوق به.
وتقارن بين الحراك الحالي وانتفاضة "Jin, Jiyan, Azadi"، موضحةً أنّ تلك الحركة نجحت في جذب الجميع إلى الساحة، وأنها قدمت فلسفة واضحة يمكن البناء عليها لتحقيق انسجام واسع، غير أنّ الحركة المضادة، تحركت سريعاً لإفشال هذا الزخم، بعدما أدرك النظام أن هذا الحراك يختلف جذرياً عن احتجاجات 2017 و2019. فقد انطلق من مدن شرق كردستان، ثم امتدّ إلى بلوشستان والمجتمع العربي، ودخلت كل الفئات المهمشة إلى المشهد، وهو ما اعتبره النظام التهديد الأخطر.
واختتمت الناشطة النسوية سوسن رخش حديثها بالتأكيد على ضرورة إحياء فلسفة "Jin, Jiyan, Azadi"، لأن الحديث عن الحياة يشمل الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحديث عن المرأة يعني المساواة الشاملة لكل المجتمع، فيما الحرية حق للجميع، وترى أن تقديم هذه الفلسفة كبرنامج واضح للمجتمع يمكن أن يفتح الباب أمام تغيير حقيقي.